تنبيه عن منهج استخراج علل التشريع وحِكَمه

تنبيه عن منهج استخراج علل التشريع وحِكَمه
(وفيه تسليط الضوء على منهج الإسلام في تنظيم علاقة الرجل بالمرأة الأجنبية عنه)
عندما نريد أن نستنتج الحكمة الربانية وراء تشريع ما وأن نستخرج الرؤية العلمية التي يفيدها ، فمن الواجب أن نحيط بجميع أحواله أو بعامتها ، ولا يمكن أن نستنبط الحكمة التشريعية والرؤية العلمية بغير ذلك : أي بالنظر القاصر إلى بعض الأحكام .
وكما قد يقع متلمس الحكمة التشريعية والرؤية العلمية في خطأ نقص الإحاطة بجوانب التشريع المتعددة (كما سبق) ، فقد يقع في الخطأ بسبب آخر ، وهو نزوله عن مصادر التشريع النقية ، وعلى رأسها القرآن والسنة ، إلى اجتهادات العلماء ، والتي قد ينزل فيها أيضا إلى عصور الضعف والجمود ، فيحاول أن يفهم أسرار التشريع من غير التشريع ، وعبر وسائط : تخطئ وتصيب !
فمثلا : عندما نريد أن نعرف التصور الإسلامي النقي للعلاقة السوية للرجل بالمرأة الأجنبية عنه : فإنني إذا ما قصرتُ النظر على الحجاب مثلا ، ونحوه من الحواجز بين الرجل والمرأة (كتحريم الخلوة) ، فسوف أبالغ جدا في مكانة الحجاب وتلك الحواجز في التنظيم الإسلامي لعلاقة الرجل بالمرأة الأجنبية ، وهذه المبالغة سوف تكون على حساب تشريع آخر ، وهو وجوب غض الرجل بصره عند الخوف من الفتنة ، وعلى حساب تنمية رقابته الذاتية على نفسه التي تمنعه من أن ينظر إلى المرأة نظرة الغريزة الشهوانية .
نعم .. الاقتصار في تكوين التصور الإسلامي عن أسس تشريعاته على بعض أحكامه دون استيعاب النظر سيؤدي إلى خلل في التصور ، وإلى تشويه للحكمة التشريعية .
ولذلك لما اقتصر النظر في تنظيم علاقة الرجل بالمرأة الأجنبية على الحجاب وعلى الحواجز بين الرجل والمرأة ، نشأ تصور يستنكر على الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) تفريقه بين عورة الحرة وعورة الأمة المسترقة !!
بل سمح هذا التصور لنفسه أن يستبشع ما لم يستبشعه الصحابة كلهم ممن لم يخالف الفاروق (رضي الله عنهم) ، ولم يستبشعه التابعون وأتباع التابعين والأئمة المتبوعون من أئمة المذاهب الأربعة كلها وغيرهم !!
وهذا كله على افتراض أن التفريق بين عورة الحرة وعورة الأمة اجتهاد من عمر (رضي الله عنه) ، وليس هو حكاية لواقع حال الإماء في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) ، بدليلين اثنين :
الأول : إشارة القرآن الكريم إلى ذلك ، في قوله تعالى {ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} وتتابع عامة المفسرين على أنها نزلت في تشريع التفريق بين الحرة والأمة في الحجاب.
الثاني : بدليل عدم مخالفة أحد من الصحابة لعمر (رضي الله عنه) ، ورضاهم عن تفريقه ، وتتابع الأجيال الأولى على هذا التفريق . خاصة وأن عورة الإماء حكم ظاهر ، يشاهده المسللمون جميعهم منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم في الشوارع والأسواق . وليس حكما خفيا ، لا يعلمه إلا القليل منهم .
فإذا تذكرنا أن عورة الأمة ليست كعورة الحرة ، وأنها تكشف شعرها وما تحتاجه في مهنتها : من ساعد وساق دون الركبة ونحو ذلك ، على تفاصيل اختلاف الفقهاء في حدود ذلك الفرق بين عورة الحرة وعورة الأمة = سنعلم أن الحجاب ليس هو وحده الحامي من الرذيلة في التصور الإسلامي ، وليس الفصل بين الرجل والمرأة وحده هو التشريع المنظم لعلاقة الرجل بالمرأة الأجنبية ؛ إذ هؤلاء هن الجواري المسترقات ، وفيهن الشابة الفتية البارعة الجمال ، ومع ذلك لم تؤمر بحجب وجهها وشعرها وغير ذلك مما تحتاجه في المهنة في الطريق والسوق ؛ مما يدل على أن هناك تشريعا آخر يجب أن يُستحضر ، وهو خاص بالرجل ، ألا وهو غض البصر ، وسلامة الصدر من النظر الشهواني المفتون .
ولمن لم بستوعب هذا الحكم في التفريق بين عورة الحرة وعورة الأمة ، وسمح لنفسه أن يزايد على غيرة عمر بن الخطاب على الأعراض وعلى الحماية من فاحشة الزنا ، بل أن يزايد على غيرة من لم يخالفه من الصحابة كلهم ، والتابعين وتابعيهم والأئمة المتبوعين = فعليه أن يتذكر حكما فقهيا آخر : ألا وهو حكم النظر إلى نساء أهل الذمة .
ونحن نعلم أن الفتوح الإسلامية انتشرت في بلاد كثيرة زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم ، وفيها أمم كثيرة من أهل الكتاب والمجوس وغيرهم من غير أهل الإسلام ، ولا يلتزم نساؤهم الحجاب بحسب أديانهن وأعرافهن .
فهل كان المسلمون يلزمون النساء غير المسلمات بالحجاب ؟
والذي يبين حال النساء غير المسلمات في الجيل الأول النقول التالية :
1- ثبت أن الحسن البصري سُئل : إنا نبيع القطن ، فيأتينا نساء أهل الذمة ، فنرى شعورهن ؟ فقال الحسن : ليس به بأس . (أخرجه الدولابي في الكنى) .
فهذا نص يبين حال نساء أهل الذمة ، وأنهن كن يكشفن شعورهن في الأسواق ، ويبين أن النظر إليهن بغير شهوة جائز عند الحسن البصري أحد أفقه التابعين وأعلمهم وأزهدهم .
والتقييد بغير شهوة مأخوذ من السياق ، حيث إن السؤال كان عن نظر بائع ومشتر . كما أن النظر بشهوة تفتن نظرٌ محرم بالإجماع .
ومثل هذا الأثر عن الحسن البصري يحكي واقعا كان معاشا في زمنهم .
2- وصح عن مستغفر البجلي (وقال عنه يعقوب الفسوي : لا بأس به) ، قال : «سألت إبراهيم [يعني النخعي] ، قال : فقلت : إنا نبايع العلوج بهذه الكرابيس ، فنرى بطونهن وأشعارهن ، فقال : ليست لهن حرمة» . أخرجه الدوري عن ابن معين في تاريخه (رقم4649) ، قال : «حدثنا يحيى قال حدثنا عبد الرحمن بن مهدى قال حدثنا سفيان عن مستغفر البجلي» ، وهذا إسناد يثبت به النقل عن النخعي .
3- وقال ابن كثير : (( وروي عن سفيان الثوري أنه قال : لا بأس بالنظر إلى زينة نساء أهل الذمة ، إنما يُنهى عن ذلك لخوف الفتنة ، لا لحرمتهن ، واستدل بقوله تعالى { ونساء المؤمنين} في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ } .
4- وقال الإمام أحمد : (( الزينة الظاهرة الثياب ، وكل شيء منه عورة ( يعني : المرأة) ، حتى الظفر ، ولا نقول في نساء أهل الذمة شيئا)) .
وهنا يتوقف الإمام أحمد عن إطلاق القول بتحديد عورة نساء أهل الذمة ، ولا يرى في الآيات والنصوص ما يشملهن .
وهو قول يلقي بضوء عن حال نساء أهل الذمة في عصره وفي عصر السلف الذين كان الإمام أحمد بفقههم حفيا عليما .
5- حتى الإمام مالك عندما سئل عن جواز النظر إلى شعور نساء أهل الذمة ، فأفتى بعدم جواز النظر ، كما في البيان والتحصيل لابن رشد (٤/ ١٨٧) (١٨/ ٣١٠) . فهو يدل على أن إبداء نساء أهل الذمة لشعورهن كان متفشيا ، ولذلك حرم على الرجال النظر إليهن ، خلافا لما ذهب إليه الحسن البصري والثوري (كنا سبق عنهما) .
وهكذا يتبين أن نفي وجود خلاف في التفريق بين عورة الحرة المسلمة والحرة الذمية (كما قيل) قولٌ لا يثبت .
وهكذا يتبين أن المجتمع المسلم الذي كان يعيش فيه عدد كبير من غير المسلمين ، ولم يُلزم فيه نساؤهم غير المسلمات بالحجاب كحرائر المسلمات . واكتفى الشرع في حماية المجتمع المسلم من شيوع الفاحشة فيه ، رغم وجود نساء غير متحجبات فيه ، بأن أمر الرجال بغض البصر ، أو بضبط النفس عن النظر المفتون .
وهذا الحكم يعيشه المسلمون اليوم أيضا واقعا في بلاد الغرب وغيرهما من البلاد غير الإسلامية ، بل في كثير من البلاد الإسلامية التي يوجد فيها غير مسلمين = أن نظام الوقاية من الفتنة بالمرأة الأجنبية غير المتحجبة يقع على كاهل الرجل : غضا للبصر ، وتنقية للنفس من تسلط الغريزة عليها .
وفي الجهة الأخرى من الأحكام الشرعية التي توضح أهمية استيعاب تأمل أحكام الشرع لكي نبني منظومته بطريقة دقيقة في تصوراتنا عنه : أنه من المشهور خلاف العلماء في تفسير قوله تعالى {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} ، في سياق ذكر المحارم وما يجوز للحرة أن تضع حجابها عندهم ، فاختلفوا : هل يجب على الحرة أن تحتجب عن البالغ من عبيدها ؟
فقد ذهب عدد من السلف وهو مذهب الإمام ملك والشافعي أن الحرة لا تحتجب عن مملوكها إلا بما تحجبه عن محارمها ، وخالف في ذلك الحنفية والحنابلة وغيرهم من السلف .
فهنا أيضا لم يجعل الشرع الوقاية من الفاحشة منوطة فقط بالحجاب ، عند من ذهب ذلك المذهب المجيز للحرة أن تضع حجابها عند مملوكها ، بل راعى الشرع حاجة الحرة إلى خدمة المملوك ، وأناط حفاظها على شرفها وعفافها بها وبرقابتها الذاتية على نفسها .
ومن حكم رابع نستطيع معرفة الحكمة التشريعية لتنظيم علاقة الرجل بالمرأة الأجنبية أيضا : وهو تنظيم صفوف الصلاة في المسجد بين الرجال والنساء ، مع عدم الفصل بين صفوف الرجال والنساء بساتر ، كما يُفعل اليوم ، مع توفر القدرة على ذلك في زمن النبي (صلى الله عليه وسلم) .
هذا يبين أن الفصل التام غير مراد أصلا ؛ لأنه مخالف للفطرة في المجتمع البشري ، ويسبب حرجا شديدا جاءت الشريعة برفع ما هو دونه ! ويبين أهمية الرقابة الذاتية في فلسفة التشريع (كما يُقال) وفي حكمته (كما أقول) .
وهكذا يتبين أن الاقتصار في النظر إلى جانب من جوانب الشرع لا يبين أسرار التشريع ، ولا يفتح أبواب حِكمته . بل يسيء إلى التصور الإسلامي ، ويغلو في جانب منه على حساب التفريط في جانب آخر منه .
ومن أراد أن يستدرك على الفاروق (رضي الله عنه) وعلى التابعين وعلى الأئمة المتبوعين في حكم عورة الأمة بدعوى حماية المجتمع من الفساد فعليه أن يحيط بالتدابير العديدة التي شرعتها وسلكتها الشريعة في تحقيق مصلحة الوقاية من الفساد ، وأن لا يقصر نظره على الحجاب وحده .
تتمة :
بعد أن نشرت هذا المقال : سأل أحد المتابعين قائلا : شيخ حاتم عندي سؤال .... مالحكمة من التفريق بين الحرة والأمة في الحجاب ؟؟؟ مع أنه لا فرق بينهن من ناحية الافتتان بهن !!
فأجبته بالتالي : الحكمة تتبين من جهتين : الأولى : أن الأمة تحتاج التخفف من حجابها للقيام بمهنتها أكثر من الحرة ، ويشق عليها القيام بمهنتها غالبا لو كانت مأمورة بحجاب الحرة .
الثانية : أن من مصلحة الأمة أن تكون مرغوبا فيها للتسري أو الزواج من الأحرار (بشرطه) ؛ لأن التسري يجعلها أم ولد فيجعلها ذلك أرفع منزلة من بقية الأرقاء ، بل قد يكون ذلك سبب عتقها وتحريرها من العبودية بوفاة سيدها ، والرغبة في الزواج بها قد يدعو الراغب فيها أن يسعى لعتقها ليتزوج بها . والتخفف من حجابها يجعل حظها من فرصة الحرية أكبر .
فسأل آخر قائلا : لكن شيخي الفاضل: كأنني استشف من إجابتكم أن الحجاب كان يُثقل - إلى حدٍ ما- على الحرة القيام بمهنتها في ذلك الزمان،،، وهل لا يزال الحجاب يثقل على الحرة القيام بعملها في زماننا حيث لا إماء؟ .. أليس من مصلحة الحرة أن تتزوج أيضاً، فيكون الحجاب مثقلاً لهذا الخير .. وهذه المصلحة والتخفف من حجابها يجعل حظها من فرصة الزواج أكبر؟ وشكراً .
فأجبته :
قولك : ((كأنني استشف من إجابتكم أن الحجاب كان يُثقل - إلى حدٍ ما- على الحرة القيام بمهنتها في ذلك الزمان،،، وهل لا يزال الحجاب يثقل على الحرة القيام بعملها في زماننا حيث لا إماء؟ )) .
والجواب عليه : أن الأعمال التي يُتخذ لها الإماء أشق من أعمال الحرائر غالبا ، والمهن التي يزاولنها من جنس مهن العمال الشاقة . ولا شك أن بعض الأعمال لا تناسب النساء مطلقا ، وبعضها لا يناسب الحرة المحجبة .
وأما قولك : ((أليس من مصلحة الحرة أن تتزوج أيضاً، فيكون الحجاب مثقلاً لهذا الخير .. وهذه المصلحة والتخفف من حجابها يجعل حظها من فرصة الزواج أكبر؟)) .
فالجواب عليه هو : أن مصلحة الحرة في الزواج يقتصر على الزواج ، لكن مصلحة الأمة في الحرية أكبر من مصلحتها في الزواج ، لكن من طرقها الواسعة إلى الحرية هو زواجها من الحر ، كما هو معروف من أحكام الإماء . وهذا واضح من تعليقي السابق ، لو تأملته : أن المقصود من زواج الأمة هو نيلها حريتها .
تاريخ النشر : 1436/12/05 هـ
طباعة المقالة




